الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
133
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بيان لجملة أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ يونس : 66 ] إلى آخرها ، وفي هذا البيان إدماج بحكاية فن من فنون كفرهم مغاير لادعاء شركاء للّه ، لأن هذا كفر خفي من دينهم ، ولأن الاستدلال على إبطاله مغاير للاستدلال على إبطال الشركاء . فضمير قالُوا عائد إلى الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ [ يونس : 66 ] أي قال المشركون اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . وليس المراد من الضمير غيرهم من النصارى لأن السورة مكية والقرآن المكي لم يتصد لإبطال زيغ عقائد أهل الكتاب ، ذلك أن كثيرا منهم كانوا يزعمون أن للّه بنات هم الملائكة ، وهم بناته من سروات نساء الجن ، ولذلك عبدت فرق من العرب الجن قال تعالى : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ سبأ : 40 ، 41 ] . والاتخاذ : جعل شيء لفائدة الجاعل ، وهو مشتق من الأخذ لأن المتخذ يأخذ الشيء الذي يصطفيه . وقد تقدم في قوله تعالى : أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً في سورة الأنعام [ 74 ] ، وقوله : وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا في الأعراف [ 146 ] ، فالاتخاذ يصدق على أخذ شيء موجود للاستئثار به ، ويصدق على تكوين شيء للانتفاع به . وهو هنا صالح للمعنيين لأن منهم من يعتقد تولد الولد عن اللّه تعالى ، ومنهم من يعتقد أن اللّه تبنّى بعض مخلوقاته . والولد : اسم مصوغ على وزن فعل مثل عمد وعرب . وهو مأخوذ من الولادة ، أي النتاج . يقال : ولدت المرأة والناقة ، ولعل أصل الولد مصدر ممات على وزن فعل مثل الفرح . ومن أجل ذلك أطلق على الواحد والجمع كما يوصف بالمصدر . يقال : هؤلاء ولد فلان . وفي الحديث « أنا سيد ولد آدم » والمراد هنا الجمع لأنهم قالوا : الملائكة بنات اللّه استولدها من سروات الجن قال تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ [ النحل : 57 ] . وجملة : سُبْحانَهُ إنشاء تنزيه للرد عليهم ، فالجملة جواب لذلك المقال ولذلك فصلت عن التي قبلها . وهو اسم مصدر ل ( سبّح ) إذا نزّه ، نائب عن الفعل ، أي نسبحه . وتقدم عند قوله تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا في سورة البقرة [ 32 ] ، أي تنزيها للّه عن هذا لأن ما قالوه يستلزم تنقيص اللّه تعالى ، ولذلك بينت جملة التنزيه بجملة : هُوَ